خرج منتخب السعودية من كأس العالم 2026 من القاع، وسقط الغضب على أعلى هرم الاتحاد السعودي لكرة القدم مباشرة: استقال الرئيس ياسر المسحل عقب الخروج، معلناً تحمّله المسؤولية الكاملة. لكن ما كشفته الأيام التالية لم يكن مجرد نتيجة سيئة على أرض الملعب، بل قصة عن قرار كروي متسرّع، وعن مشروع ضخم لا يزال يبحث عن هوية تليق بحجم استثماره.
النتائج تتحدث: خروج بلا انتصار واحد
أنهى الصقور الخضر مشوارهم في المجموعة الثامنة في المركز الأخير برصيد نقطتين فقط، بحسب ما أوردت شبكة الجزيرة. تعادل المنتخب 1-1 مع أوروغواي، ثم عاد ليتعثر بتعادل سلبي أمام الرأس الأخضر المشارك للمرة الأولى في تاريخ البطولة، قبل أن تُغلق البوابة نهائياً بخسارة قاسية 4-0 أمام إسبانيا. ثلاث مباريات، ولا انتصار واحد فيها، هي الحصيلة التي أنهت آمال منتخب كان يُفترض أن يقدّم مستوى أفضل بكثير أمام مجموعة كان يمكن اختراقها.
الخسارة الثقيلة أمام إسبانيا لم تكن مجرد رقم على لوحة النتائج، بل تأكيد على فجوة واضحة في المستوى بين منتخب يملك موارد مالية ضخمة وآخر يبني هويته الكروية على أسس تنظيمية راسخة. أما التعادل مع الرأس الأخضر، الدولة الأصغر بكثير من حيث عدد السكان والموارد الكروية، فقد شكّل الضربة الأكثر إيلاماً، لأنه حرم السعودية من فرصة كانت تبدو في متناول اليد.
نقطتان فقط من ثلاث مباريات تعني أن المنتخب لم يستطع تحويل أي من مواجهاته الثلاث إلى فوز كامل، وهو معدل لا يليق بمنتخب كان يدخل البطولة وسط توقعات بتجاوز دور المجموعات بسهولة نسبية. التعادل مع أوروغواي كان يمكن أن يُقرأ كنتيجة مقبولة أمام منتخب من العيار الثقيل لولا أن ما تلاه من تعثر أمام الرأس الأخضر حوّل المعادلة بأكملها، وترك المباراة الأخيرة أمام إسبانيا بلا أي هامش للخطأ، فجاءت النتيجة انعكاساً مباشراً لحجم الضغط النفسي الذي كان يثقل كاهل اللاعبين في تلك اللحظة الحاسمة.
استقالة تحت وطأة الغضب
لم يمهل الشارع الكروي السعودي القيادة الإدارية وقتاً طويلاً. فبحسب ما ذكرت صحيفة عرب نيوز، قدّم ياسر المسحل، رئيس الاتحاد السعودي لكرة القدم، استقالته عقب خروج المنتخب من دور المجموعات، قائلاً إنه يتحمّل المسؤولية كاملة عن هذا الإخفاق. الاستقالة جاءت سريعة ومباشرة، في إشارة إلى إدراك القيادة الإدارية لحجم الصدمة التي أحدثها هذا الخروج المبكر لدى جمهور استثمر آمالاً كبيرة في هذا المنتخب.
تحمّل المسؤولية بهذا الشكل العلني والسريع ليس أمراً مألوفاً دائماً في عالم الاتحادات الكروية، وهو ما يعكس حجم الضغط الذي وضعه الفشل المبكر على المؤسسة الرياضية بأكملها. لكن الاستقالة وحدها لا تجيب عن السؤال الأهم: كيف وصل الأمر إلى هذه النقطة أصلاً؟
مقامرة المدرب في اللحظة الأخيرة
يقود الإجابة عن هذا السؤال قرار إداري وُضع في قلب الانتقادات: تعيين المدرب اليوناني جورجيوس دونيس قبل أسابيع فقط من انطلاق البطولة، عقب رحيل المدرب الفرنسي إيرفي رينارد. وبحسب ما أوردته شبكة الجزيرة، تعرّض الاتحاد لانتقادات واسعة بسبب هذا التوقيت، إذ اعتُبر التغيير دليلاً على عدم الاستقرار الفني الذي يعيشه المنتخب في مرحلة حساسة كان يفترض أن تُخصّص بالكامل للتحضير النهائي والانسجام الجماعي قبل المونديال.
تعيين مدرب جديد على عجل، بغض النظر عن كفاءته الفنية، يضع أي منتخب أمام تحدٍ مضاعف: التأقلم مع فلسفة لعب جديدة، وبناء الثقة بين الجهاز الفني واللاعبين، وكل ذلك في نافذة زمنية ضيقة لا تسمح بأي هامش للخطأ. هذا النوع من القرارات، حين يُتخذ في اللحظات الأخيرة، غالباً ما يكشف عن أزمة أعمق في التخطيط الإداري وليس مجرد مشكلة تتعلق باختيار الاسم المناسب على مقاعد البدلاء.
أزمة أعمق من نتيجة كرة قدم
ما حدث للسعودية في هذا المونديال يطرح سؤالاً يتجاوز حدود الملعب: هل يكفي الاستثمار المالي الضخم لبناء منتخب قادر على المنافسة في أعلى مستويات كرة القدم العالمية؟ الإجابة التي قدّمتها نتائج المجموعة الثامنة كانت واضحة وصادمة في آن واحد. فبينما يملك المنتخب دعماً وموارد لا تُقارن بمعظم المنتخبات المشاركة، انتهى به الأمر في القاع، خلف منتخبات أصغر بكثير من حيث الإمكانات لكنها أكثر استقراراً واتساقاً في بنيتها الفنية.
هذه المفارقة، بين حجم الاستثمار وحجم النتيجة، هي بالضبط ما يجعل استقالة رئيس الاتحاد أكثر من مجرد رد فعل عاطفي على خسارة. إنها اعتراف ضمني بأن المشكلة ليست في نقص الموارد، بل في طريقة إدارتها وتوظيفها، وأن قراراً مثل تعيين مدرب جديد قبل أسابيع من بطولة بحجم كأس العالم لا يمكن أن يُبنى عليه استقرار فني حقيقي، مهما كانت الميزانيات المتاحة خلفه.
ماذا بعد؟ الطريق إلى إعادة البناء
استقالة ياسر المسحل تفتح الباب أمام مرحلة جديدة من إعادة الهيكلة داخل الاتحاد السعودي لكرة القدم. لكن هذه الخطوة لن تكون كافية وحدها إذا لم تُعالَج الأسباب الجذرية التي أدت إلى هذا الإخفاق، وفي مقدمتها غياب الاستقرار في الجهاز الفني وضعف التخطيط طويل المدى بعيداً عن ردود الفعل السريعة.
الدرس الذي يفرضه هذا المونديال على القيادة الجديدة للاتحاد، أياً كانت هويتها، واضح: بناء منتخب قوي لا يبدأ من توقيع صفقة تدريبية في اللحظة الأخيرة، بل من فلسفة كروية متكاملة تمتد من مراحل الناشئين إلى المنتخب الأول، ومن استقرار إداري يمنح المدرب الوقت الكافي لبناء مشروعه. حتى تتحقق هذه المعادلة، ستبقى قصة السعودية في هذا المونديال تذكيراً بأن المال، مهما كان وفيراً، لا يشتري النجاح وحده على أرض الملعب.
الاستقالة قد تكون نقطة البداية لا نقطة النهاية. فالضغط الجماهيري والإعلامي الذي أعقب الخروج المبكر يفرض على من سيخلف ياسر المسحل أن يقدّم رؤية أكثر وضوحاً بشأن طريقة اختيار الأجهزة الفنية مستقبلاً، بعيداً عن قرارات اللحظة الأخيرة التي أضرّت بتحضيرات المنتخب قبل انطلاق البطولة. ويبقى السؤال معلقاً: هل ستتعلم المنظومة الكروية من درس هذه البطولة، أم أن التاريخ سيكرر نفسه عند أول اختبار حقيقي قادم؟
المصادر: Al Jazeera, Arab News
No comments yet